السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

163

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

بإنالة وعده للصادقين بقوله « إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ » ( 14 ) لأوليائه في الكرامة كما يفعل ما يشاء لأهل معصيته من الهوان ، هذا ولما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قوما من أسد وغطفان إلى الإسلام وكان بينهم وبين يهود المدينة حلف ، وقالوا تخاف ان أسلمنا أن لا تنصر ولا يظهر أمرك على اليهود ، فتنقطع المحالفة بيننا وبينهم ، فيقطعون عنا الميرة ولا يؤووننا ان نزلنا عليهم ، أنزل اللّه تعالى انزاله « مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ » أيضا ليس في الدّنيا فقط كما ظن هؤلاء « فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ » حبل « إِلَى السَّماءِ » أي يعلق حبلا لجهة العلو كالسقف وغيره ، لأن كلّ ما علاك فأظلك هو سماء ، فيجعله في عنقه ويخنق نفسه خير له من هذا الظّن الفاسد في ربه . وهنا عدل عن الحقيقة ، إذ صرف لفظ السّماء عن حقيقته الظّاهرة إلى المجاز وهو السّقف الذي يطلق عليه لفظ السّماء مجازا لاستحالة تعلق الحبل بالسماء الحقيقة لئلا يتعطل اللّفظ تأمل « ثُمَّ لْيَقْطَعْ » ذلك الحبل أي يخنق نفسه فيه وسمى الإخناق قطعا ، لأن المختنق يقطع نفسه يحبس مجاريه وبعد ذلك « فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ » ذلك بنفسه « ما يَغِيظُ » ( 15 ) أي الذي يغيظه وهو نصر اللّه له كلا لا يرد من خنقه شيئا بل يبقى كيده في نحره ، وفيه قيل : ان لم تكوني بهذا الحال راضية * فدونك اليوم هذا الحبل فانشنقي وهذه الآية عامة في معناها لكل من ظن هذا الظّن السّيء بربه ، وتفيد أن اللّه تعالى ناصر نبيه في الدّنيا والآخرة على رغم حسّاده وأعاديه ، وناصر أنصاره وأتباعه إلى يوم القيامة إذا صدقوا وداوموا على سنته « وَكَذلِكَ » كما أنزلنا على من قبلك من الرّسل كتبا وصحفا « أَنْزَلْناهُ » أي هذا الكتاب الحاوي على معنى كلّ ما نزل قبل عليهم . عليك يا سيد الرّسل وجعلناه « آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي » به إلى دينه « مَنْ يُرِيدُ » ( 16 ) من عباده الّذين سبقت لهم السّعادة في علمه الأزلي « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ » لم تذكر هذه الكلمة في القرآن كله إلّا هنا « وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا »